عادل عبد الرحمن البدري
688
نزهة النظر في غريب النهج والأثر
وإنّما صار ( عليه السلام ) قسيم الجنّة والنار لأنّ قسمة الجنّة والنار إنمّا هي على الإيمان والكفر . وقال : لقد سمعت بعض المشايخ يذكر أنّ هذا الكنز هو ولده المحسن ( عليه السلام ) ، وهو السقط الذي ألقته فاطمة ( عليها السلام ) لما ضغطت بين البابين . وأمّا قوله : « وأنت ذو قرنيها » فإنّ قرني الجنّة الحسن والحسين لما رُوي أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : « إنّ الله عزّ وجلّ يزيّن بهما جنّته كما تزيّن المرأةُ بقرطيها » . وفي خبر آخر : « يزين الله بهما عرشه » . وفي وجه آخر معنى قوله ( صلى الله عليه وآله ) « ذو قرنيها » أي إنّك صاحب قرني الدنيا وإنّك الحجّة على شرق الدنيا وغربها وصاحب الأمر فيها والنهي فيها . وفي وجه آخر معناه أنّه ( عليه السلام ) ذو قرني هذه الأمّة كما كان ذو القرنين لأهل وقته ( 1 ) . ونقل الشريف الرضي عن ثعلب أنّه قال : ويجوز أن يكون قوله : « ذو قرنيها » يريد به طرفي الأمّة ، أي أنت في أوّلها ، والمهدي من ولدك في آخرها . قال : ويجوز أن يكون ذلك من قوله : عصرتُ الفرس قرناً أو قرنين : أي استخرجت عَرَقه بالجري مرة أو مرتين ، فكأنّه ( عليه السلام ) ذو اقتباس العلم الظاهر واستخراج العلم الباطن ( 2 ) . وقال ابن الأثير : أي طرفي الجنّة وجانبيها ( 3 ) . وظاهر قوله ( صلى الله عليه وآله ) مأخوذ من قوله تعالى في ذي القرنين : ( إنّا مكّنا له في الأرض وآتيناه من كلّ شيء سبباً ) ( 1 ) . والذي بلغ ملكه مبلغاً عظيماً ، قيل : بلغ ذو القرنين أقصى المشرق والمغرب ( 2 ) . وقد بلغ من ملكه أنْ خيّر السحابين الذلول والصعب ، فاختار الذلول ، ولو اختار الصعب لم يكن له ذلك ، لأنّ الله تعالى ادخره للقائم ( عليه السلام ) ( 3 ) وهو المعنى بالحديث . وفي حديث عليّ ( عليه السلام ) : « عارفاً بِقَرائِنها وأحْنَائِها » ( 4 ) . القرائن : النفوس ، واحدها قَرون وقَرونة وقرينة وقرين . ومنه قول الشاعر : فإنّي مثلُ ما بكَ كان ما بي * ولكن أسمَحَت عنهم قَروني ( 5 ) . وإلى النفس عني عليّ ( عليه السلام ) محذّراً من الشيطان بقوله : « حتّى إذا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَه ، واسْتَغْلَقَ رَهينَتَه » ( 6 ) . وفي الحديث : أنّ
--> ( 1 ) معاني الأخبار : 206 . ( 2 ) المجازات النبوية : 72 رقم 54 . ( 3 ) النهاية في غريب الحديث والأثر 4 : 51 باب القاف مع الراء . ( 1 ) الكهف : 84 . ( 2 ) التفسير الكبير للفخر الرازي 21 : 163 . ( 3 ) البحار 12 : 182 و 183 . ( 4 ) نهج البلاغة : 40 ضمن خطبة 1 . ( 5 ) لسان العرب 13 : 339 ( قرن ) . ( 6 ) نهج البلاغة : 112 ضمن خطبة 83 ( الغرّاء ) .